حسن الأمين

59

مستدركات أعيان الشيعة

جنودهما قد تحصنوا بالمدينة استعدادا للدفاع عنها ، وفي نفس الوقت بلغه أن السلطان محمد تيمور والسلطان أبو سعيد عازمان على خوض الحرب بقوات سمرقند ، فوجه الأمير لهما بيرام بيك فرماني وحينما سمع قائدا الأوزبك بقدوم بيرام بيك تراجعا إلى قلعة عجذوان وتحصنا بها ، فأبلغ بيرام بيك الأمير نجم بالأمر . وعلى الفور توجه الأمير نجم إلى عجذوان بكامل قواته فحاصرها ، وعمد الأوزبك إلى أسلوب المناورات فكانوا يخرجون منهم جماعة في كل يوم فتأخذ بالكر والفر ثم تنسحب إلى داخل القلعة ، ولم يتدبر الأمير نجم عاقبة أمره فادام الحصار أربعة أشهر حتى نفذت المئونة وعلف الحيوانات وأصبحت القوات في عسر من أمرها . فطلب بعض قادة الجيش من الأمير الانسحاب إلى حدود قرشي وخزار حتى انقضاء فصل الشتاء ليتسنى جمع المؤن وتوفير العلف مرة أخرى ثم العودة إلى عجذوان ومحاصرتها ولكن الأمير رفض طلبهم وألحوا هم في الطلب وما زالوا به حتى أقنعوه فوعدهم بالرحيل في اليوم التالي ، وكان الأوزبك قد أدركوا مصاعب القزلباش وشحة مئونهم وعلف حيواناتهم فوجدوا في ذلك فرصة سانحة للانقضاض على عدوهم ومن ثم خرجت طلائع جيشهم من بين الأشجار في يوم الثلاثاء ، الثالث من رمضان عام 918 هوهو اليوم الذي تقرر فيه الانسحاب ففوجئت قوات القزلباش بخروجهم ، ولم ير الأمير نجم بدا من الدخول في الحرب فنظم قواته ووقف في قلبها وجعل الملك بابر في قواته لسد الثغرات التي ربما يحدثها الأوزبك في صفوف جيشه . ودارت رحى الحرب فصرع بيرام بيك في الصدمة الأولى ، فزاد مصرعه من حماس الأوزبك واشتدت حملاتهم ولم يكن أمراء القزلباش متحمسين للقتال مع الأمير نجم فلم يستمروا بالمقاومة ولاذوا بالفرار ، فهرب الملك بابر بدوره إلى قلعة شادمان مصطحبا قواته التي أتى بها وتبعه الأمير غياث الدين محمد والخواجة كمال الدين محمود ، وهرب حسين بيك وأحمد بيك صوفي أوغلي نحو آمو فعبراه واتجها إلى خراسان . وطفق الأوزبك يقتلون وينهبون وأسروا الأمير نجم فأمر عبيد [ أ ] الله خان بقتله وقتل أيضا زين العابدين بيك وعدد كبير من أبطال القزلباش وقوات خراسان . وتعقب الأوزبك فلول القزلباش فعبروا نهر آمو ودخلوا خراسان فعاثوا فيها فسادا وقتلوا عددا كبيرا من أهلها وهدموا العديد من أبنيتها . وصلت أخبار هذه المآسي والنكبات الشاه إسماعيل في أصفهان فأمر بإحضار القوات . وتزامن ذلك مع ولادة ابنه البكر الأمير طهماسب ميرزا فأقام الاحتفالات وقدم الصدقات ثم توجه إلى خراسان . لقد وجه الأمير نجم بغروره واستبداده برأيه لطمة قوية إلى الدولة الصفوية الفتية ، فقد كان مقتل وزيرها الأعظم وتشرذم قواتها إهانة كبرى لحقت بكرامتها ، إضافة إلى الخسائر الفادحة التي مني بها جيش القزلباش فبعد فرار قادة الجيش دون مقاومة منهم ولا قتال تشتتت قطعات الجيش ولاذت بالفرار على غير هدى . واستغل سكان المناطق المختلفة الوضع الذي آل إليه مقاتلو القزلباش فحمل السلاح كل من يقدر منهم على ذلك واشترك في الغارة على شراذم القزلباش فوصل الأمر في بعض المناطق إلى تجريدهم حتى من ثيابهم وفي مناطق أخرى كانوا يقتلونهم بعد تجريدهم من ثيابهم ولم تقتصر هذه الحالة المأساوية على الجانب الآخر من نهر آمو بل تعدتها إلى أراضي خراسان ومنها حدود مرغاب وكذلك في أطراف ولاية بادغيس بالقرب من مدينة هرات حيث انبرت بعض طوائف التركمان والعشائر الأخرى إلى تجريد الهاربين من القزلباش من ثيابهم وقتلهم ، ويمكن القول أن خسائر القزلباش التي لحقت بهم بعد الحرب فاقت تلك التي لحقت بهم في الحرب ذاتها . وربما كانت هزيمة عجذوان وشيوع أخبارها في البلدان المجاورة سببا في تشجيع أعداء الدولة الصفوية ونهوضهم للقضاء عليها . ومن ذلك ما عزم عليه السلطان سليم من شن الحرب على إيران رغم انشغاله بالمشاكل الداخلية لبلاده وفراغه لتوه من القضاء على إخوته ومناوئيه . ولم يكن السلطان سليم يحاول دخول الحرب وحده بل كان يحرض الحكام المجاورين لإيران عبر الرسائل المتكررة ويحضهم على شن الحرب على إيران فقد كان يحسب أن الملك الصفوي الشاب لن تقوم له قائمة بعد هزيمة عجذوان . توجه الشاه إسماعيل إلى خراسان لجا بعض قادة القزلباش إلى هرات بعد هزيمتهم في عجذوان وتحصنوا بها وسعوا مع أهلها وأعيانها في إحكام تحصينها ، وبعد أيام قدم السلطان جاني بيك بقواته إلى مشارف المدينة فحاصرها ثم أخذ بمهاجمتها فوقف أهلها للدفاع عنها بالنبال والأحجار والنار . وكانت هرات عامئذ تفتقد إلى المؤن الكافية فأصابها الحصار بضيق شديد ولكنه لم يستمر فترة طويلة ، حيث وقع بعد شهرين من الحصار خلاف بين جاني بيك سلطان وعبيد الله خان ، فغادر الأول هرات بقواته في الثالث من محرم من عام 919 ه‍ ، ورحل إلى آمو ثم تبعه عبيد [ أ ] الله خان في نفس اليوم فتنفس أهالي هرات الصعداء وخرجوا من عزلتهم إلى مزارعهم ومراعيهم . وإذا كانت هرات قد تابعت أخبار عبور جاني بيك سلطان لنهر آمو بارتياح فإنها كانت تتابع في نفس الوقت أخبارا محزنة مفادها أن السلطان تيمور عبر آمو بالاتجاه المعاكس وانضم إلى عبيد الله خان وهاجم الاثنان مشهد وسيطرا على الأراضي الممتدة من ولاية مرو وحتى نواحي أسفراين وضواحي سبزوار وبيتا العزم على السيطرة على جميع أراضي خراسان .